ايمن كبوش: جباهم عالية

0
160

>الكتابة اليوم تشبه لحد كبير الوقوف على اطراف الاصابع.. تقف لتودع عاما كاملا بالدموع والحسرة.. لن نجد موضوعاً يليق لنقدمه كبشرى في زمن انتحرت فيه البشريات.. بدأنا نهارية 31 من العام الماضي باصوات الرصاص والبمبان في الشارع العام وقضينا ليلتنا ساهرين على انغام (طيخ طاخ) الاطفال.. غاب (سهر الشوق في العيون الجميلة) ولم يعد هناك احداً ينادي بالحب في بدايات السنة.. ولا الحب في نهايات السنة ولم يعد هناك كائنا يفلسق الامور ويقول: الحب اعمق من جميع الامكنة.

>عندما كان (التيار الكهربائي) يعتصم في تلك الليلة التي نستقبل فيها عاما جديدا ويدخل عمداً في حالة انقطاع، كنا نهرع الى هناك.. نصافح الماء.. ونكتب على رمال الشطآن.. حكايات للقمر والسمر والليالي المخملية.

>ذات يوم.. كان العام يلملم (حاجياته التي بطرفنا).. ويسدد حسابات (اعمال سنة).. عام كامل كان يلوح بشهوره مودعاً.. وايام عديدة تتمدد جسداً على عربات الرحيل الى العدم.. كان الناس وقتها اكثر انشغالاً بـ(رأس السنة الميلادية) وتلك البيوت الطينية تُغير جلدها استعداداً واحتفاء بـ(طفي شمعة) و(تقطيع تورتة).

>يومها.. كانوا خمسة، وسادسهم عشقهم للناس والاشياء والدنيا والغناء.. اختاروا ان يودعوا العام.. ويستقبلوا آخر بطريقتهم الخاصة.. طريقة مختلفة ومتفردة ورومانسية.. نعم رومانسية عندما كانت الرومانسية شيء يمكن ان تحسه يسري تحت الجلد.. وقتها لم تكن المسلسلات التركية المدبلجة هي (المُلقن) الذي يقودك ببغاوية بلهاء لكتابة خطاب او جواب لحبيبة.. لم نكن حقيقة في حاجة لـ(مهند ونور) في زمن (العشق الممنوع) لان (خيانة التعبير) لم تكن فعلاً وارداً في الخطاب الخاص الذي يمكن ان يتسرب منك او منها من بين الانامل ليعبر عنك ويعري تلك الدواخل التي تؤمن تماماً بفلسفة عميقة تقول ان المباشرة اهانة للادراك الواعي.

>لذلك كانت الاغاني هي رسول المحبة.. وهي (مرسال الغرام) وهي الخطابات و(الظروف) و(البريد الالكتروني) الذي تحس امامه بالدهشة والغبطة والتلاشي.. ايامها كانت الامنيات كبيرة.. والاحلام اكبر والتفاصيل خالية تماماً من الامنيات الصغيرة والاغراض المثيرة…

>في رحلة من رحل ذاك الزمان النضير.. توقف نبض الحاضرين وتوقف الزمن عند تلك المغنية الحسناء التي جاءت لتلعب دور (ايقونة) تلك (اللمة) لان ذاك زمان لم تكن فيه (قونات).. ولا فيه (اغاني الزنق وبتدقا والشلب وسجل لي عرباتك).. جاءت تلك المغنية الشابة وكأنها تحمل (جرحاً) يختبئ في رحيق الوردة.. فأدهشتنا حين صدحت: (حبيبي ليه قلبي فاكرك.. وإنت ليه خالي قلبك خالي.. والله ما عليه.. كنت فاكر ألقى عندك الحنان تغمرني بيه.. قلبي يرسى يلقى جنبك الأمان ويدوم عليه.. بحنانك تحتويني.. وبودادك تصطفيني.. ليه تسيبني يا ضنيني لدلاك أشتكيك).

>يومها اختتمت (القعدة) برسالة حب الى حبيب جائر.. يبدو انه ترك المرافئ تشتعل.. والجو ماطر فغنت: (في حياتي قبلك انت.. عشت قصة حب قاسية.. لسه مازالت في قلبي.. ذكرياتها المرة بادية.. لما هليت في وجودي.. وقلت بيك سعادتي بادية.. لكن انت هدمت املي).

>دعونا اليوم، نقف على اطراف الاصابع.. ثم نتحسس هذا النبض الذي فينا.. كم ارهقناه..؟ وكم اتعبناه باللهاث من اجل احلام لن تتحقق؟.

>هاهو عام كامل يرحل.. وآخر طرق الابواب ولم يستأذن.. عام يبشرنا بالمعاناة.. سوف نبكي كثيرا.. ونحزن كثيراً لان الاشياء الكبيرة عندنا تجاوزت الغناء والرفاهية في بلد ليست فيها وزارة للسعادة ولا هيئة عامة للترفيه.. ولا مجتمع الكفاية والعدل.. فصار العشم الاكبر يتمحور في (قفة ملاح مكتملة).. سيكون عاماً للطحن والقهر والاحباطات لشعب نبيل.. فماذا نفعل؟ هل نغني: (اغفرلو يا حنين.. وجاوز من ظلم.. ما اصلها الايام مظالم.. والعمر غمضة ثواني).

>كل عام وانتم بعزتكم وكرامتكم.. ترفلون في ذاك الحب الذي تغنى له المغنون.. كل عام وانتم تغنون: بلد الخير والعزة مكاني.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here