افياء/ ايمن كبوش/ عودة سودان الاشياء الجميلة

0
159

# في خاطر كل سوداني بعيون عسلية، شارب من ماء النيل وسلسبيل توتيل.. يعرف “تردة الرهد ابو دكنة” ورضع من ضراعات بوادي كردفان وتسلق ذرى جبل مرة في دارفور.. واستمتع بقيدومة فرح يجملها جريد النخيل، في خاطرهم جميعا شيء من القلق الذي يفيض عن ذاك القلق المثوارث الذي سال انهارا على ألسنة الامناء العامين للامم المتحدة.. لم يكن لديهم شيئا يمسحون به دمعة مظلوم او حسرة مكلوم غير “التعبير عن القلق”.. نحن كذلك، ليس لدينا ما ندفع به قطار المفاوضات بين المجلس العسكري وقوى الاعلان الى مبتغاه ومبتغانا، غير هذا القلق الذي نعبر عنه في كلمة نقولها ونمضي، فربما سجلنا بها حضورا بحجم الامنيات.

# نخشى بكل القلق، ان تتحول الثورة الى اسلوب حياة يومية.. ننسى معها مطالبنا الحقيقية المرتبطة بثلاثية المعادلة المستحيلة في زمن انتحار الجنيه السوداني.. معاشنا.. صحتنا.. وتعليمنا، فينشأ بيننا جيل من “الروافض”.. يتشكل مزاجه على “لا الناهية” المطلقة في كل موضع.. فتصعب علينا السيطرة.. ويضيع اللجام فتذهب كل المكاسب مع رياح التغيير حقا وباطلا.

# نخشى، بكل القلق، في ظل عبودية المرتب وازياد المطالب والميزانية العدم.. ان تضيع سلطة “رب البيت”.. وهو الوالد الذي وضع قواعد هذه المؤسسة الراسخة في حياة البشرية.. كان يأمر فيطاع من مبدأ التعاليم الربانية وخبرته التراكمية.. ويستشار في كل صغيرة وكبيرة طالما ان “بيت الشورى ما بيخرب”.. ولكن.. ماذا سيكون حالنا اذا دسنا بالكعوب الثورية والاحساس بالانعتاق من بعض القيود على “كبارنا” ثم اخذتنا “نوة” التمرد على كل شيء.. فثرنا على الوالد.. ومسحنا باستيكة الثورة على دور الام والعم والخال والجد ومعلم المدرسة وشيخ الحي وناظر الخط وزعيم القبيلة.. واعتبرناها مجرد محطات من عهود بالية تستحق التجاوز، هنا لن تستقيم الحياة ولن نعود الى السلام الاجتماعي الذي يبدأ من الاسرة، المعلم الاول الذي كنا نتحلق حوله مع مواقد جمر شاي الصباح، ويجمعنا بعد الثالثة ظهرا حول صينية الغداء التي كانت برلمانا يشرع القوانين ويصادق عليها.. ضاع كل ذلك ايها السادة وانفرط عقدنا الاجتماعي لذلك سنظل ندور في حلقة مفرغة الى الابد.. فلابد من العودة الى اخلاق السودانيين في نسختها الاصلية التي جاءت في مراسيم ودساتير البيوت السودانية غير المكتوبة.. لقد كان البيت مفتوحا على كل شارع معنون بمليون كلمة على شاكلة “مرحب حبابك اخوي وادخل لى جوه…”.. هو البيت الذي يصاب صاحبه بالقلق كلما غاب عنه ضيف او اعتصم عنه زائر… البيت الذي حدثت عنه قصة الامام، الشيخ الكبير الذي كان جالسا على سجادته، يقلب في سبحة اللالوب ثم يعقب ذلك بتنهيدة ثم يقول: “ايييييه… يوم كامل معقول ما يجينا زول علشان يأكل لقمة او يشرب جغمة”..
# هذا هو السوداني الذي يلتقيك على ضفاف نهر الحياة تلاقي الصدور ويدعوك لمنزله وهو لا يعرفك، تسأله في “الليالي المطيرة” عن حلة فلان او فريق علان فيدعوك للمبيت لان الدنيا ليل غربة ومطر.. يستمهلك لكي تشرب كوبا من اللبن ثم يدرجك في الطريق وهو يراقبك من بعيد هاتفا “اعصر يمين علشان شمالك الطين.. الواطة ضلمه ما توحل”.. يودعك بالدموع وكأنك واحد من افراد اسرته.
# هذا هو السوداني الذي سيعيدنا الى سودان الاشياء الجميلة التي طواها النسيان واصبحت مجرد ذكريات على لسان الجيل القديم الذي رضع من ثدي هذا الوطن، رتع في قراه، مشى في فرقانه، ودرس في مدارسه التي كانت رياضا غناء يتحدث عنها الشعراء.. قبل ان تتحول هذه المدارس الى “دلالة” مليئة بالروبابيكيا وانصار حزب “الشاطر يأكلها والعة”.
# المدنية التي ننادي بها تعني عودة السوداني المتخلق باخلاق السودانيين.. الصادق.. صاحب القيم.. العامل.. المنتج.. والمتحضر في كل سلوك.. هذه هي رسالتنا في بريد الثورة السودانية والتغيير.. حتى لا تصبح الثورة هي ذلك الشيء الذي تحمله في فمك وتعيش على حسابه.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here