افياء/ ايمن كبوش/ انسحاب المجلس العسكري من المشهد

0
382

ما نكتبه عن حريق السودان, قبل يومين, كتبته صحافة الخرطوم كلها في ذات التوقيت.. باقلامها وخطوطها العريضة وتحقيقاتها الساخنة.. كتبت ذلك لان شيئا ما بات يتكور في الدواخل ليبث فينا وجعا وخوفا من القادم المجهول.

وصحافة الخرطوم هذه التي كانت ترقص’’ رقصة الهياج’’ لم يكن فيها من يضرب الرمل… او يقرأ الفنجان.. ولكن فيها ما فيها من اولئك الذين يملكون اكثر من تلك العيون التي بامكانها ان تنافس عيني ’’زرقاء اليمامة’’ التي قالت لقومها رأيت شجراً يسير.

وما تكتبه صحافة الخرطوم, في الايام القليلة الماضية.. هو شيء عادي يستمد عاديته من تلك المناظر المألوفة التي تمشي بين الناس وفي الاسواق.. شيء يكفيك ان تراه يمشي امامك يحمل ’’بندقيته’’ ويتحسسها.. وهو ذاته لا يعرف من الذي سيعطيه امراً بإطلاق النار..

هناك اشياء يعرفها من يتعلمون ’’الف باء تاء ثاء الامن الوقائي’’ حيث يعلم المشتغلون في الجهات الامنية كلها, كيفية مكافحة ما يمكن مكافحته قبل وقوعه.. او تقليل خسائره بعد وقوعه.. هذا يذكرني قصة ذلك الشرطي الذي اوجده القدر امام مشاجرة كبرى كان احد اطرافها يحمل ’’مدية طويلة’’.. وفي لحظة خاطفة فكر الشرطي الاعزل في شيء واحد هو ان يتلقى الضربة الاولى بابسط ما تيسر.. قبل ان يمسك هو بالباقي.. الجاني والسكين.. واليقين.. بيديه العاريتين.

اثبتت الايام بأن المجلس العسكري ترك ’’البلد في السهلة’’ وهو الذي فشل في توفير اهم نعمتين يطالب بهما المواطن السوداني الذي ما خرج على البشير الا لانه فقد الحلول الآنية لتوفير حياة كريمة.. نعمة توفير الغذاء.. ونعمة الآمن.. فمن اين لنا بالغذاء الذي وضح بأنه في آخر اولويات المجلس العسكري الذي ’’استحلى’’ منسوبوه ركوب الطائرات والسفر من بلاد الى بلاد.. وهاك يا تحية عسكرية.. و’’قرقور شرف’’ وخلافه من شكليات لا تهم الشعب السوداني ولا تشغل باله.. لا يهمنا ان يسافر حميدتي الى جوبا او يطيب له المقام في سماء تتنفس فيها ’’ياسمين عبد العزيز’’ وتنام فيها ’’ليلى علوي’’.. ولكن يهمنا ان يكون كيلو الطماطم باثنين جنيه كما هو في مصر.. وان يعود الجنيه السوداني (اهيفا) يقدل في الشوارع بدولارين امريكيين.. هذه احلام جميلة ومستحيلة لذلك دعونا نطالب بنعمة الامن التي ذكرها المولى عز وجل في سورة ’’قريش’’ مباشرة بعد ’’فك المسغبة’’ فجاء ذكر ’’آمنهم من خوف’’ بعد ان ’’اطعهم من جوع’’.. فأين نحن الان من هذه المطلوبات الحياتية المهمة.. ومدينة الابيض حاضرة ولاية شمال كردفان تتوضأ بالدم وتغرق فيه نهاراً وتزف اطفالها الخمس مثل عصافير الجنة الى اعالي الجنان.

ما حدث في مدينة الابيض التي كانت عروساً للرمال.. لا عروساً للدماء المسفوحة على قارعة الطريق.. يؤكد بان المجلس العسكري غير مؤتمن على امن البلاد وسلامة مواطنيه واراضيه وعرضه.. طالما ان آلات الموت تحصد الاطفال وتحرق اكباد الامهات في عرض السوق.. ماذا تبقى لنا يا برهان بعد ان اصبح الموت في الشارع وركب الجميع سكة اللاعودة.. من يضمن لنا يا سعادة الرئيس بأن الصغير الذي اشرفت والدته على ملبسه في الصباح الباكر ووضعت له مأكله في شنطته الصغيرة مع بعض مصاريفه المدفوعة من بند الاصطبار.. من يضمن لنا ولها بأنه سوف يعود بذات النشاط وذات الهمة والالق الوضاء الذي يرنو الى المستقبل.. من يضمن لنا ولها بأنه لن يسقط في بركة من دمائه الذكية برصاصة من ايد غادرة صار الموت عندها شهوة والدماء مثل الماء على السبيل يمكن ان يشرب منها من يشاء.

يتحمل المجلس العسكري الوزر والمسئولية كاملة طالما ان الوالي الموجود في الابيض مفوض منه ومكلف بادارة شئون الدولة وحفظ الامن ولكنه فشل في ذلك فعليه ان يستقيل مثلما استقال.. بقرار محترم.. سعادة اللواء وراق والي ولاية الخرطوم بعد مجزرة القيادة العامة.

ما حدث في الابيض مجزرة تستوجب ان يعيد المجلس العسكري حساباته كلها حتى وان ادت النتيجة الى انسحابه من المشهد.. وهذا هو اضعب الايمان.

احر التعازي لاهلنا في مدينة الابيض والمجد للشهداء.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here