افياء/ ايمن كبوش/ مريخهم الذي علمهم الصبر

0
89

 

قلت له: السودانيون في حياتهم الطويلة الممتدة.. منذ فترة ما بعد الاستقلال، والحكومات الوطنية المتعاقبة، لم ينالوا حظا من التعلم الثقافي الجماعي الا بمقدار ما يقدمه التعليم النظامي المعروف من الخلوة والروضة إلى مرحلة الجامعة وما بعدها، ولكن الحياة العملية تعطيك احساسا منطقيا بأن السودانيين تعلموا الكثير من تجاربهم العملية واستفادوا مما عانوه في “مجابدة” الحياة، ولكن اهم قيمة خرجوا بها من كفاحهم الطويل نجدها في “فقه المباصرة” وهو فقه، لو تعلمون، يمكن أن نحصره أو نختصره في مثال بسيط.. هو أن يكون راتبك “مواردك” خمسة آلاف جنيه سوداني، وهو راتب موظف في الدرجة الأولى، ومصروفاتك عشرين ألف جنيه.. تأكل وتشرب.. تستأجر منزلا ولديك خمسة أبناء في مراحل التعليم المختلفة.. وعندك تلفون زكي وكذلك حرمك المصون.. ولكل ابن أو ابنة ممن ذكرناهم كعدد.. جهاز “تابلت” حديث قيمته آلاف الجنيهات… تجامل في المناسبات وتمتلك أكثر من عمة وترتدي مركوب نمر.. وتشجع فريق المريخ.. لسنا كلنا حرامية يا سيدي، ولكن أجمل ما سمعناه من أهل الجندية القدماء هو أن العسكرية تصرف.. ولعل جزء من أدبيات التمرغ في تراب الميري الذي فاتهم قطاره.. يا سيدي.. هو ان يتصرفوا بمقادير المتاح ليبنوا بيوتا على ضفاف نهر الحياة.. ويعمرونها بالبنات.. والبنين ويتعلقون بأهداب الأحلام.. ويردون: الحب في الأرض بعض من تخيلنا أن لم نجده عليها لاخترعناه.

المعاناة الطويلة علمتنا، كشعب سوداني، فقه المباصرة، وكذلك حسن التصرف في الظروف الصعبة، ولكن أحدث ما اكتشفته هذه الأيام، هو ان تشجيع فريق كرة القدم بنادي المريخ يعلم الصبر أكثر من أي منهج آخر.. تشجيع المريخ هو التجسيد الموضوعي لما قالته تلك المغنية “لوكي القرضة وامسكي في”.. أو “قلة الشغلة التي تعلم المشاط”.. فهل هناك “لوك قرضة” أكثر من أن تكون مريخيا.. على الأقل في السنوات القليلة الماضية.. عليك يا اخي المريخي الكريم ان “تلوك القرضة” وان تشهد الخروج الأفريقي المبكر لفريقك العظيم في مرحلة التمهيدي.. وان “تلوك القرضة” وانت تجلس مثل ناظر المحطة لكي تنتظر عبور الهلال.. ثم تصبر صبرا جميلا في انتظار خروجه من مرحلة المجموعات.. والمجموعات كما تعلمون فيها استحقاق لن ينتهى الا بست مباريات كاملة وأحيانا يتحدد المصير الأخير في الجولة السادسة… يحدث كل هذا وعلى المريخي ان يجلس ينتظر تصديقا لما قيل “يناضل أيضا من يجلس ينتظر” أو على الأقل أن يفعل ما تفعله “قلة الشغلة”.

ليت المريخ قال لشعبه مبكرا.. انكم لن تستطيعوا معي صبرا.. لكنهم صبروا وثابروا لأن الهلال أيضا يقوى صبرهم ويثبته.

اترك رد